الجصاص

468

أحكام القرآن

عن عائشة أنها سئلت عن الرجل يخير امرأته فقالت : " قد خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفكان طلاقا ؟ " وفي بعض الأخبار : " فاخترناه فلم يعده طلاقا " . قالوا ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم خيرهن إلا الخيار المأمور به في الآية ، ويدل عليه ما قدمناه من حديث عروة عن عائشة أنها لما نزلت الآية قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك " قالت : قد علم الله أن أبوي لم يكونا يأمرانني بفراقه ، ثم تلا عليها الآية ، قالت : إني أريد الله ورسوله والدار الآخرة . فقالوا : هذا الخبر أيضا قد حوى الدلالة من وجوه على أنه خيرهن بين الدنيا والآخرة وبين اختيارهن الطلاق أو البقاء على النكاح ، لأنه قال لها : " لا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك " ومعلوم أن الاستئمار لا يقع في اختيار الدنيا على الآخرة ، فثبت أن الاستئمار إنما أريد به في الفرقة أو الطلاق أو النكاح . وقولها : " إن أبوي لم يكونا يأمرانني بفراقه " وقولها : " إني أريد الله ورسوله " فهذه الوجوه كلها تدل على أن الآية قد اقتضت التخيير بين الطلاق والنكاح . واحتج من قال لم يكن تخيير طلاق بقوله تعالى : ( إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا ) فإنما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يطلقهن إذا اخترن الدنيا ولم يوجب ذلك وقوع طلاق باختيارهن ، كما يقول القائل لامرأته : " إن اخترت كذا طلقتك " يريد به استيناف إيقاع بعد اختيارها لما ذكره . قال أبو بكر : قد اقتضت الآية لا محالة تخييرهن بين الفراق وبين النبي صلى الله عليه وسلم ، لأن قوله : ( وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة ) قد دل على إضمار اختيارهن فراق النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : ( إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ) ، إذ كان النسق الآخر من الاختيار هو اختيار النبي صلى الله عليه وسلم والدار الآخرة ، فثبت أن الاختيار الآخر إنما هو اختيار فراقه ، ويدل عليه قوله : ( فتعالين أمتعكن ) والمتعة إنما هي بعد اختيارهن للطلاق . وقوله : ( وأسرحكن ) إنما المراد إخراجهن من بيوتهن بعد الطلاق ، كما قال تعالى : ( إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن ) إلى قوله : ( سراحا جميلا ) فذكر المتعة بعد الطلاق ، وأراد بالتسريح اخراجها من بيته . وقد اختلف السلف فيمن خير امرأته ، فقال علي رضي الله عنه : " إن اختارت زوجها فواحدة رجعية وإن اختارت نفسها فواحدة بائنة " وذلك في رواية زاذان عنه ، وروى أبو جعفر عن علي : " أنها إذا اختارت زوجها فلا شيء وإن اختارت نفسها فواحدة بائنة " . وقال عمرو عبد الله رضي الله عنهما في الخيار وأمرك بيدك : " إن اختارت نفسها فواحدة رجعية وإن اختارت زوجها فلا شيء " . وقال زيد بن ثابت في الخيار : " إن